فيلا تل الزنطور
25 – 50 ميلادي
تُمثّل فيلا تل الزنطور إحدى أبرز الشواهد المعمارية الباقية من العهد النبطي، وهي مسكنٌ فاخر لأحد أفراد الطبقة المرموقة من قومه في أوائل القرن الأول الميلادي. يكشف تحليل المخطط الهندسي للفيلا عن تأثرها بالطراز الهلنستي، وذلك من خلال استخدام العناصر المعمارية المميزة كالأفنية الداخلية والرواق المحاط بالأعمدة، وهي سمات شائعة في البيوت المتقدّمة في المدن الكبرى في تلك الحقبة.
يتكوّن المدخل الرئيس للفيلا من رواق فخم يفتح على صالة استقبال واسعة كانت تُستخدم لاستقبال الزوار وعقد الاجتماعات. وقد خُصص الجناح الجنوبي من المبنى لغرف الضيوف، حيث تشير المكتشفات الأثرية إلى وجود أرضيات فسيفسائية دقيقة الصنع وجدران مزينة بزخارف جدارية ملونة. وتعد هذه الزخارف من أقدم النماذج المكتشفة في المنطقة، وتُظهر درجة عالية من المهارة الفنية والتأثر بالأساليب التصويرية الرومانية (الفريسكو).
أما الجناح الشمالي، فقد احتوى على مرافق خدمية ومخازن صغيرة للمواد الغذائية، إضافة إلى غرف مخصصة لإعداد الطعام. وتعكس هذه الفروق في توزيع الغرف الفصل الوظيفي بين المساحات العامة والخاصة، وهو عنصر واضح في العمارة النبطية المتقدمة. وتشير الدلائل أيضاً إلى أن الفيلا كانت مزوّدة بنظام مائي متكامل يعتمد على قنوات لتوجيه المياه إلى صهاريج داخلية تُستخدم لأغراض الشرب والتنظيف.
وقد أثبتت الدراسات الطبقية للموقع أنّ الفيلا تعرضت لاحتراق شديد في منتصف القرن الأول الميلادي. وقد عُثر خلال التنقيب على قطع فخارية متفحمة وأدوات معدنية تعود للعهد الروماني المبكر، كما وُجدت طبقة رماد كثيفة تُشير إلى أن الحريق كان شاملاً وربما نتج عن اضطرابات سياسية أو كوارث طبيعية. ورغم ذلك، ظلّت أجزاء من المبنى باقية، مما مكّن الباحثين من إعادة بناء صورة واضحة عن شكل الحياة اليومية في تلك الحقبة.
عُثر في إحدى الغرف الشرقية على نقوش كتابية تعود لعهد الإمبراطور طيباريوس (21 قبل الميلاد – 14 ميلادي)، ما يشير إلى استمرار استخدام الفيلا لعدة عقود. كما أظهرت عمليات المسح الحديثة باستخدام تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد أن الفيلا بُنيت على مساحة واسعة نسبياً مقارنة بالبيوت النبطية التقليدية، ما يعكس مكانة صاحبها الاجتماعية والاقتصادية.
تُعد فيلا تل الزنطور اليوم نموذجًا مهمًا لفهم التطور العمراني في المناطق النبطية، ودليلاً بارزاً على التفاعل الثقافي بين العرب الأنباط والحضارة الرومانية. كما توفر الاكتشافات المتعاقبة فيها مادة علمية غنية للباحثين في مجالات العمارة القديمة والتاريخ الاجتماعي لمنطقة البترا.