أنصاب الجن
50 ق.م – 50 م
تُعَدّ الأنصاب الجنائزية أو ما يُعرَف محليًا بـ أنصاب الجن إحدى أكثر الظواهر الأثرية غموضًا وإثارة في حضارة الأنباط. وهي كتل حجرية منحوتة بعناية على شكل مربّع أو مستطيل، تُحاكي واجهات المباني النبطية لكن بصورة مُجرّدة وبسيطة. وقد شاع الاعتقاد الشعبي منذ القدم بأن هذه الكتل هي “بيوت الجن”، إلا أنّ الدراسات الأثرية الحديثة أثبتت أنها رموز دينية مقدسة ارتبطت بطقوس العبادة النبطية واعتقاداتهم حول الأرواح والآلهة.

تشير النصوص الأثرية إلى أنّ الأنباط استخدموا هذه الأنصاب لتجسيد الآلهة غير المجسّدة، أي تلك التي لا تُعبَّر عنها بتماثيل بشرية، بل برموز هندسية تخلو من الملامح. ويبدو أن هذا النوع من الرمزية كان جزءًا أساسيًا من الهوية الدينية للأنباط، خصوصًا مع ارتباطها بمعتقداتهم حول القوى غير المرئية وعلاقتها بالطبيعة والكون. وتعثر في البترا على عدد كبير من هذه الأنصاب، وتتوزع على مداخل المقابر والواجهات المقدسة وفي ممرات السيق، ما يؤكد مكانتها في الحياة الدينية.
تُظهر الدراسات أن أنصاب الجن تُصنَّف ضمن مجموعة أوسع تُعرف باسم المذابح النبطية أو المحاريب، والتي كانت تُستخدَم لأداء القرابين والطقوس. ويعود أقدم وجود لها في البترا إلى القرن الأول قبل الميلاد، بينما استمر استخدامها حتى القرن الأول الميلادي. وقد كشفت المسوحات الأثرية عن وجود ما يزيد عن 200 نُصُب من هذا النوع، مما يدل على انتشاره الواسع وتنوّع وظائفه.