accessibility

المواقع الأثرية

وادي الفرَسَة
200 قبل الميلاد – 200 ميلادي**


يُعد وادي الفرَسَة أحد المسارات الجبلية المهمة في منطقة البترا، وقد اكتسب أهميته عبر التاريخ بوصفه طريقًا استخدمه الحجاج الصاعدون إلى المدرّج الأعلى، حيث كان يُعتبر من الممرات الطبيعية التي تربط بين أجزاء المدينة الوردية وتسهّل الوصول إلى أماكن العبادة والاحتفالات الدينية. ويتميّز هذا الوادي بتدرجاته الصخرية الحادة ومنعطفاته الضيقة التي تعكس الطبيعة الوعرة لجبال البترا، الأمر الذي يجعله أحد الشواهد المميزة على الطرق القديمة التي سلكتها القوافل والزوار عبر العصور.
وقد عُثر في وادي الفرَسَة على مجموعة من النقوش التذكارية التي تركها المتعبّدون والحجاج أثناء صعودهم، وهي نقوش تحمل دلالات دينية وشخصية تُظهر طبيعة الرحلات الروحية التي كانت تُمارس في ذلك الوقت. وتشير هذه النقوش إلى عمق الارتباط الروحي والطقسي بين سكان البترا وزوارها وبين الأماكن المرتفعة التي كانت تُعتبر مقدّسة أو ذات رمزية خاصة. وتعد هذه النقوش من المصادر المهمة التي تساعد علماء الآثار على فهم طبيعة الممارسات الدينية النبطية وأساليب توثيقها.
ولا يقتصر دور الوادي على كونه طريقًا للحجاج، بل يضم أيضًا عددًا من المقابر الفريدة المنحوتة في جوانب الصخور، والتي تعود إلى فترات زمنية مختلفة، أبرزها المقابر المعروفة باسم "عصر النهضة". وتمتاز هذه المدافن بتفاصيلها الفنية وزخارفها التي تشير إلى مكانة أصحابها الاجتماعية وإلى مهارة الحرفيين الذين قاموا بنحتها. كما تُعدّ هذه المدافن دليلًا على استمرار استخدام الوادي عبر مراحل متعددة، مما يعكس أهميته في الحياة اليومية والدينية لسكان البترا.
ويُظهر هذا الوادي بقايا لمسارات قديمة وأحواض صغيرة منحوتة في الصخر، يعتقد أنها كانت تُستخدم لجمع مياه الأمطار أو لتسهيل عبور المسافرين، ما يعكس مدى قدرة الأنباط على التكيّف مع البيئة الجبلية واستغلال مواردها بما يخدم حاجاتهم. كما أنّ قرب الوادي من مداخل عدة في البترا يجعله جزءًا من شبكة الطرق المتصلة التي كانت تسهّل الحركة داخل المدينة وتربط بين منشآتها الدينية والسكنية والاحتفالية.
ويمثل وادي الفرَسَة اليوم محطة مهمة للزائرين والباحثين على حدّ سواء، ليس فقط بسبب قيمته التاريخية، بل أيضًا لما يوفره من مشاهد طبيعية خلابة وإطلالات بانورامية على تضاريس البترا. كما يسمح هذا الوادي بفهم أعمق للبنية الاجتماعية والدينية للأنباط، وطبيعة الطرق التي استخدموها وما رافقها من نشاطات اقتصادية وسياحية وروحية.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟