النافورة
100 – 200 ميلادي
تُعدّ النافورة التي تقع على الجهة الشرقية من شارع الأعمدة واحدًا من أهم المنشآت المائية في مدينة البترا، ويُطلق عليها اسم "النافورة" أو النينفايم، وهو مصطلح مشتق من الكلمة الإغريقية التي تشير إلى الحوريات الأسطورية في الميثولوجيا القديمة. وقد شاع في المدن اليونانية-الرومانية إنشاء هذا النوع من المباني بوصفه عنصرًا معماريًا وزخرفيًا مميزًا يضفي على الفضاءات الحضرية طابعًا جماليًا واضحًا.
ورغم أن الوظيفة الأساسية للنافورة كانت تتمثل في توفير المياه العامة للسكان والزوار، فإنها أدّت كذلك دورًا اجتماعيًا مهمًا، فقد شكّلت نقطة تجمع واستراحة للمارة، وموقعًا لتبادل الأحاديث وممارسة الأنشطة اليومية. ويبدو أن تصميم النافورة في البترا جاء متأثرًا بالنماذج الرومانية الكلاسيكية، إذ اتخذ البناء شكلًا شبه دائري تحيط به الأعمدة، وتنساب إليه المياه عبر قنوات حجرية مصممة بعناية.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن النافورة حظيت بنظام مائي متطور بالنسبة لعصرها؛ إذ كانت المياه تُنقل إليها عبر قنوات محفورة بدقة داخل جدران القنوات أو بواسطة أنابيب فخارية. وبعد وصولها إلى الخزان العلوي، كانت تُوزَّع بانسياب على واجهة النافورة، مُشكّلة مشهدًا مائيًا زخرفيًا يعكس مهارة الأنباط في توظيف المياه لأغراض جمالية ووظيفية في آنٍ واحد. ورغم عدم بقاء النافورة على حالتها الأصلية اليوم، فإن عناصرها البنائية المتبقية تتيح تصوّر حجمها وتصميمها الأصليين، بما في ذلك الجدار الخلفي الذي كان تُرصّع واجهته بالنقوش والزخارف.
كما كشفت الحفريات عن وجود طبقة جصية كانت تُغطّي الجدار الداخلي للنافورة، ما يدل على عناية كبيرة في تزيينها وتجميلها. وتشير بعض الأدلة إلى إمكانية وجود تماثيل أو عناصر نحتية كانت تُعرض داخل الحنية المركزية لتعزيز قيمتها الجمالية والدينية. ويُعتقد أن عملية صيانة النافورة واستدامة تدفق المياه فيها كانت تتطلب جهدًا دوريًا، مما يعكس اهتمام سكان البترا بتطوير مرافقهم العامة.
ومن المعالم المثيرة للاهتمام بجانب النافورة وجود شجرة معمّرة يُقدّر عمرها بنحو 450 سنة. ورغم أنها أقدم بكثير من زمن إنشاء النافورة، فإن وجودها في المكان اليوم يضيف بعدًا جماليًا وطبيعيًا للمشهد، ويعكس استمرارية الحياة في هذا الموقع على مرّ العصور. ويرى بعض الباحثين أن هذا النوع من الأشجار كان يُزرع قرب المنشآت المائية للاستفادة من الرطوبة والحفاظ على ظلال طبيعية في فصل الصيف.
وتُعدّ نافورة البترا نموذجًا رائعًا للمنشآت المائية النبطية-الرومانية، حيث يجتمع فيها البعدان الوظيفي والجمالي. كما تسلّط الضوء على مدى تطور نظام إدارة المياه في المدينة، الذي منح البترا القدرة على الازدهار رغم طبيعتها الصحراوية ومحدودية مصادر المياه. ويواصل الموقع اليوم أداء دوره كمَعْلم تاريخي بارز يعكس مهارة الأنباط في الهندسة المائية وتخطيط المدن، ويجذب اهتمام الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم.