accessibility

المواقع الأثرية

مجمع المعبد الكبير 
(25 قبل الميلاد – 100 ميلادي)

 

يُعدّ مجمع المعبد الكبير في البترا واحدًا من أهم المنشآت المعمارية التي شيّدها الأنباط، وأكبرها مساحة، إذ يمتد على مساحة تقدّر بنحو 7,560 مترًا مربعًا، ما يجعله من أبرز المعابد المكتشفة في المدينة الوردية. ويقع مدخل المعبد في مستوى منخفض نسبيًا، ويُصعد إليه عبر درج عريض يقود إلى ساحتين رئيسيتين: الساحة السفلية والساحة العلوية، اللتين تشكلان الهيكل العام للمجمع. وتحيط بالمدخل أعمدة ضخمة يصل عددها إلى 60 عمودًا، كانت تُظهر مدى فخامة المبنى وثراء تصميمه، وقد نُحت بعضها محليًا من الحجر الرملي الوردي المميز لبيئة البترا، بينما جُلبت قواعد أعمدة أخرى من خارج المنطقة.

العمارة والمكوّنات الداخلية
تكشف التنقيبات الأثرية أن الساحة السفلية كانت تُفضي عبر درجين إلى الساحة العلوية والمعبد الرئيس. وتتوسط المنطقة العلوية قاعة رئيسية مستطيلة الشكل مزودة بمقاعد مصفوفة على هيئة نصف دائرة، ما يشير إلى أن جزءًا من المعبد كان يُستخدم كمسرح صغير أو قاعة اجتماعات رسمية. ويُرجح أن هذا الفضاء الداخلي كان مخصّصًا لاجتماعات كبار المسؤولين، أو لنشاطات سياسية ودينية لها صلة بإدارة المدينة أو بطقوس العبادة النبطية.
وتُظهر الأدلة أيضًا وجود الساحة الأمامية التي تزيّنها الأعمدة، ويُعتقد أنها كانت المكان الذي يجتمع فيه سكان البترا والزوار خلال الاحتفالات والمناسبات الكبرى. وتدلّ ضخامة الأعمدة وحجم الساحة على أن المجمع كان مركزًا دينيًا وسياسيًا بارزًا، يعكس رعاية الأنباط للطقوس العامة واهتمامهم بزخرفة واجهات المباني الرئيسية في قلب المدينة.

وظائف المعبد وأهميته
يبدو أن مجمع المعبد الكبير لم يكن مجرد منشأة دينية، بل كان مركزًا متعدد الوظائف. فمن المحتمل أنه استُخدم لإقامة الطقوس الدينية الرسمية، إلى جانب احتضان الأحداث والاحتفالات المدنية، وربما ارتبط المعبد كذلك ببلاط الحكم في البترا، نظرًا لقربه من قصر البنت الذي يشكل القلب السياسي للمدينة. وقد تشير هندسة المكان وتنوّع مرافقه إلى أنه كان يُستخدم للعروض الاحتفالية، والمناسبات الاجتماعية، وربما طقوس الخصوبة أو المهرجانات الموسمية التي عرفها الأنباط.

الاكتشافات والأنظمة الهندسية
كشفت أعمال التنقيب عن نظام متطور لتصريف المياه، صُمّم بعناية لحماية المعبد من السيول الموسمية التي تتعرض لها المنطقة. كما عُثر على قنوات حجرية وخزانات أرضية ساعدت في جمع مياه الأمطار وتخزينها. وتشير هذه البنية المائية إلى معرفة الأنباط المتقدمة بالهيدرولوجيا والهندسة المائية، وهي السمة التي ميّزت حضارتهم في مختلف مواقع البترا. وإلى جانب ذلك، أظهرت التنقيبات وجود مرافق إضافية مثل الحمامات الصغيرة التي اكتُشفت في الجهة الغربية، وورشة نحيت صخرية ربما كانت تُستخدم لصيانة الأعمدة أو تجهيز الأحجار اللازمة للبناء.

القيمة التاريخية والحضارية
يمثل مجمع المعبد الكبير شاهدة بارزة على براعة الأنباط في العمارة والهندسة، وقدرتهم على بناء منشآت ضخمة تتماشى مع طبيعة البيئة الجبلية المحيطة. ولا يزال الموقع إلى اليوم أحد أهم المعالم التي يقصدها الباحثون والزوار للتعرف على الطقوس الدينية والإدارية التي كانت تمارس في قلب العاصمة النبطية، إضافة إلى دوره المركزي في تشكيل المشهد الحضري للبترا خلال القرون الأولى قبل الميلاد وبعده.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟