accessibility

المواقع الأثرية

المسرح الرئيسي في البترا 
(25 – 125 ميلادي)

 

يُعدّ المسرح الرئيسي في البترا واحدًا من أبرز المعالم الأثرية التي تعكس تطوّر الطابع الحضري للمدينة خلال العصر النبطي والروماني. وعلى الرغم من أن تصميم المسرح يبدو ذا طابع روماني واضح من حيث التخطيط وشكل المدرجات، إلا أن العديد من الباحثين يشيرون إلى أن أصله يعود إلى الفترة النبطية في عهد الملك الحارث الرابع في بدايات القرن الأول الميلادي، وهي الفترة التي شهدت فيها البترا توسعًا عمرانيًا كبيرًا جعلها تتخذ ملامح مدينة مزدهرة ذات مرافق عامة ضخمة.

التخطيط المعماري للمسرح
يمتاز المسرح بتصميم هندسي متقن، إذ نُحتت معظم مدرجاته مباشرة في واجهات الجبال الوردية، بينما أضيفت أجزاء أخرى باستخدام حجارة منحوتة تكمل شكل البناء. ويتكوّن المسرح من مدرج نصف دائري يضم ما يقارب 8000 متفرّج، ما يجعله من أكبر المسارح في جنوب بلاد الشام. وتنقسم مدرجاته إلى ثلاثة مستويات رئيسية مرتبطة بسلالم عمودية تسمح بتنظيم حركة الجمهور وصعودهم بسهولة إلى مقاعدهم. ويظهر في الساحة الأمامية (الأوركسترا) رصيف حجري كان يُستخدم للأداءات الموسيقية والخطابية، إضافة إلى منصة المسرح الرئيسية التي كانت تحتضن العروض الدرامية.

التعديلات الرومانية
عقب دخول الرومان إلى البترا عام 106 ميلادي، خضع المسرح لجملة من التعديلات التي هدفت إلى توسيعه وتطويره بما يتناسب مع طبيعة العروض الرومانية. فقد أزال الرومان بعض واجهات القبور المجاورة التي كانت قريبة من موقع المسرح لتوفير مساحة أوسع للمدرجات، مما يشير إلى الأهمية الكبرى التي أولوها لهذا المنشأ. كما أضيفت عناصر معمارية جديدة مثل الجدران الداعمة والأقواس، وهي عناصر تُظهر بوضوح الطراز المعماري الروماني الكلاسيكي.
الاستخدامات والوظائف
لم يكن المسرح مجرد موقع للعروض الفنية، بل شكّل مركزًا للحياة الاجتماعية والثقافية في البترا خلال العصور المختلفة. وفي فترة الازدهار الروماني، كان المسرح يستخدم لتمثيل المسرحيات، والاحتفالات العامة، والمهرجانات الدينية، والعروض الموسيقية، وألعاب استعراضية كانت تنظم لجذب الجمهور. وتشير الدراسات إلى أنه استُخدم أيضًا لإلقاء الخطب السياسية والاجتماعية، مما يعكس دوره بوصفه فضاءً عامًا يجتمع فيه السكان والزوار.

الأهمية التاريخية والحضارية
يمثل المسرح الرئيسي نموذجًا مذهلًا لقدرة الأنباط على دمج الطراز المعماري الأجنبي مع بيئتهم الجبلية الفريدة. فالدمج بين النحت المباشر في الصخر وإضافة العناصر الحجرية يُعد شهادة حية على مهارة البنّائين النبطيين وتنوع تقنياتهم. كما يسهم المسرح في فهم طبيعة الحياة الثقافية في البترا، ويقدّم دليلاً ملموسًا على التفاعل الحضاري بين الأنباط والرومان.

واليوم يُعد المسرح من أكثر المواقع زيارة في البترا، لما يتمتع به من فخامة معمارية وإطلالة مهيبة على الوادي المحيط، إلى جانب قيمته التاريخية الهائلة التي تجعل منه عنصرًا رئيسيًا في سرد تاريخ المدينة وتطورها عبر العصور.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟