المدفن 67
(200 قبل الميلاد – 200 ميلادي)
يُعدّ المدفن 67 أحد المدافن النبطية البارزة في البترا، ويتميّز بواجهته العلوية المزخرفة طبقًا للطرز الهلنستية التي انتشرت في المنطقة خلال القرون الأخيرة قبل الميلاد. ويطلق السكان المحليون على هذا المدفن اسم "قبر الحرامي"، وهي تسمية نابعة من رواية شفوية متداولة بين البدو، تروي أن أحد اللصوص لجأ إلى هذا الكهف للاحتماء والبقاء مختبئًا داخله لفترة من الزمن، الأمر الذي أكسبه هذه التسمية الشعبية.
الخصائص المعمارية
تُظهر الواجهة العلوية للمدفن تأثرًا واضحًا بالفن الهلنستي، خاصة في عناصر التاج والزخارف الهندسية المنحوتة بدقة في الصخر الرملي. وتُعد هذه الواجهات مثالًا مهمًا على امتزاج الأساليب الفنية بين الحضارتين النبطية واليونانية، ما يعكس الانفتاح الثقافي الذي شهدته البترا خلال تلك الفترة. كما يعتمد تصميم المدفن على نحت التجاويف الداخلية وتخصيص مساحات للدفن وفق نظام معماري متناسق، مما يدل على تطور تقنيات النحت في العصور الكلاسيكية.
الاستخدام والتاريخ
تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن المدفن ظل مستخدمًا لعدة قرون، سواء لأغراض الدفن أو التخزين، كما عُثر على بقايا عضوية وعناصر فخارية تدل على تكرار الدخول إليه عبر الزمن. وخلال الفترة البيزنطية، تم بناء قناة مياه قريبة من الموقع، أدّت لاحقًا إلى إغلاق المدخل الرئيسي للمدفن بعد أن امتلأت بالتربة والطمى نتيجة تغيّر مسار المياه. وقد تم الكشف عن القناة عام 1998 أثناء أعمال التنقيب الأثري، وُجد أنها تمر فوق المدفن مباشرةً، وهو ما يفسر تراكم الرواسب التي أغلقت بابه جزئيًا. ويرجّح الباحثون أن بعض عمليات الإغلاق ربما حدثت أيضًا بفعل السيول أو بفعل محاولات لسرقة محتويات المدفن في فترات لاحقة.
الاكتشافات الأثرية داخل المدفن
كشفت الدراسات الحديثة وجود نقوش جنائزية على واجهة المدفن، إضافة إلى العثور على نحو عشرين مسلّة جنائزية صغيرة كانت موضوعة قرب المدخل أو داخله. وتشير إحدى النقوش إلى اسم يُرجّح أنه يعود لصاحب المدفن ويدعى "أميلو" أو اسم امل في اللغة العربية الحديثة. وتعتبر هذه النقوش ذات أهمية كبيرة لفهم النظم الاجتماعية والطقوس الجنائزية لدى الأنباط، إذ تُسهم في رسم صورة أوضح لطبيعة الممارسات الدينية، وطريقة تكريم الموتى، وطرق تحديد الملكية العائلية للمدافن.
الأهمية الأثرية والتاريخية
يمثّل المدفن 67 نموذجًا معماريًا غنيًا يُظهر مدى تنوّع أنماط الدفن في البترا، كما يعكس قدرة الأنباط على دمج التأثيرات الفنية الخارجية مع مهاراتهم المحلية في نحت الصخور. وتضمن دراسة المدفن فهمًا أعمق للبيئة الثقافية في البترا خلال الفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية، بما في ذلك التغيرات التي طرأت على استخدام المدافن عبر الزمن. وتمنح المكتشفات المتعلقة بالنقوش الجنائزية الباحثين فرصة مهمة لتحليل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تحكم المجتمع النبطي، لا سيما في ظل غياب الكثير من السجلات المكتوبة من تلك الحقبة.