accessibility

المواقع الأثرية

مدفن عصر النهضة - 200 قبل الميلاد – 200 ميلادي

يُعدّ مدفن عصر النهضة أحد أهم الأمثلة على العمارة الجنائزية النبطية في مدينة البترا، ويتميّز بواجهة فريدة تتوّجها ثلاث جرار جنائزية منحوتة بدقة، وإطار معماري تتخلله الأعمدة النبطية الملتصقة بالواجهة. يعكس هذا الأسلوب تأثيرات فنية مميّزة انتشرت خلال القرون التي ازدهرت فيها المملكة النبطية، حيث امتزج الطابع المحلي مع ملامح فنية إغريقية ورومانية، ما أسهم في تشكيل هوية معمارية خاصة بالنبطيين.

أُجري داخل هذا المدفن تنقيب أثري عام 2003، وأظهرت النتائج وجود 14 قبرًا منحوتًا في أرضيته الصخرية. وعلى الرغم من أن معظم هذه القبور كانت قد نُهبت على الأغلب خلال الفترة البيزنطية أو في العصور الوسطى، فإن بعثة التنقيب تمكّنت من العثور على بقايا بشرية متناثرة، إضافة إلى قطع أثرية محدودة شملت عظامًا بشرية وقطعًا معدنية وعملات، مما شكّل مصدرًا مهمًا لفهم الطقوس الجنائزية وطرق الدفن لدى الأنباط.

وتشير الطبقات الأثرية المكتشفة داخل المدفن إلى أن الموقع كان مستخدمًا لفترات طويلة، وربما كان مخصّصًا لأسرة نبطيّة مرموقة. كما تدلّ بقايا الجص الملون على الجدران الداخلية على وجود زخارف كانت تزيّن القاعة في مرحلة من المراحل، وهو ما يؤكد الاهتمام الذي أولاه الأنباط بإظهار المكانة الاجتماعية للمتوفّى عبر العناصر الفنية والجمالية.

يتضح أيضًا من بقايا البناء وجود آثار تآكل ناجمة عن الظروف الطبيعية، وخاصة الأمطار والسيول التي عانت منها واجهات البترا الصخرية على مدى القرون. وقد أسهمت هذه العوامل في تدهور أجزاء من الواجهة الخارجية وفقدان كثير من تفاصيلها الدقيقة. ورغم ذلك لا يزال المدفن يحافظ على جماليته العامة، ويُعد نموذجًا مهمًا لفهم التطوّر المعماري خلال الفترة الممتدة بين القرنين الثاني قبل الميلاد والثاني الميلادي.

ويمثّل مدفن عصر النهضة جزءًا مهمًا من النسيج العمراني للبترا، إذ يعكس التغيّرات الفنية والثقافية التي شهدتها المملكة النبطية، كما يوفّر قاعدة معرفية واسعة للباحثين والمهتمين بدراسة طقوس الدفن وأساليب النحت الصخري. وتُعدّ الجرار الثلاث المنحوتة أعلى الواجهة علامة بارزة تشير إلى رمزية المكان ووظيفته، وتُظهر مدى مهارة الحرفيين الأنباط في التعامل مع الحجر الرملي وتطويعه لإنشاء مبانٍ ذات طابع روحاني وجمالي في آن واحد.

كيف تقيم محتوى الصفحة؟