قبر الجندي
200 قبل الميلاد إلى 200 ميلادي
يُعدّ قبر الجندي واحدًا من أبرز الشواهد الأثرية التي تسلّط الضوء على تطوّر العمارة الجنائزية في المنطقة خلال الفترتين النبطية والرومانية، وتشير نتائج الحفريات الأثرية الحديثة إلى أنّ واجهة القبر كانت في أصلها جزءًا من مُجمّع جنائزي متكامل، يضمّ العديد من الأبنية المخصّصة للطقوس الجنائزية، مما يعكس مستوى متقدمًا من الوعي الديني والمعماري لدى الصناع والمهندسين الأنباط.
وكشفت الحفريات أنّ الدخول إلى القبر يتم عبر ساحة واسعة، تتوزّع على جانبيها مجموعة من الغرف والملحقات المعمارية، إضافة إلى أعمدة وأعتاب ومدافن داخلية كانت تُستخدم لإقامة الطقوس الدينية المرتبطة بتكريم الموتى، وتؤدي هذه الساحة مباشرة إلى الواجهة الرئيسية للقبر، حيث يحظى الداخل بإطلالة هندسية دقيقة تدمج بين الزخرفة النبطية والعناصر المعمارية ذات الطابع الهلنستي والروماني.
وتُظهر الواجهة الحجرية للقبر أعمدة مدمجة تتخللها ثلاث إطارات بارزة، تحمل في جزئها العلوي حَنِيَّة وسطى تتوّجها تماثيل تشير – بحسب التحليل الأثري – إلى رموز عسكرية أو دينية، وهو ما يعزّز الفرضية القائلة بأن صاحب القبر كان ذا مكانة مرموقة، وربما كان أحد الضباط أو القادة الذين خدموا في الجيش النبطي قبل دمج المنطقة في النفوذ الروماني.
كما أكدت الاكتشافات الأثرية أن ساحة الدفن تعود في أصلها إلى الفترة النبطية في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، وهي فترة شهدت ازدهارًا كبيرًا في الفن المعماري النبطي، خصوصًا في الزخارف الحجرية ونحت الواجهات الصخرية، ومع ذلك تُظهر بعض العناصر المعمارية في الساحة أنّ تصميمها قد تم إعادة تشكيله في العصر الروماني اللاحق، وذلك تماشيًا مع التغيّرات السياسية والثقافية التي فرضها الوجود الروماني في المنطقة.
ويُبرز قبر الجندي – من خلال عناصره الهندسية والزخرفية – حالة فريدة من التداخل الحضاري بين الأنباط والرومان، فهو يجمع بين الدقة الهندسية والرقي المعماري، ويعكس أهمية الدفن والاحتفاء بذكرى الموتى في المجتمعين النبطي والروماني على حدّ سواء، كذلك يشكّل هذا القبر دليلًا مهمًا على مهارة البنّائين الأنباط في نحت الواجهات الصخرية الضخمة، وقدرتهم على دمج العناصر الثقافية الوافدة دون فقدان هويتهم الفنية.
وبفضل هذه الخصائص، بات قبر الجندي اليوم محطة مهمة للدراسات الأثرية، ومعلَمًا بارزًا يجذب الباحثين والزائرين المهتمين بتاريخ المنطقة وحضارتها، فهو لا يمثل مجرد مدفن تاريخي بل يُعدّ وثيقة معمارية حيّة تساعد في فهم طبيعة الحياة الاجتماعية والدينية والعسكرية خلال الفترتين النبطية والرومانية.