قبر الجرّة
(40–75 ميلادي)
يعد قبر الجرة أحد أبرز المدافن النبطية المنحوتة في الصخر والمطل على المسار الرئيسي في البترا. يتميّز هذا القبر بواجهته الضخمة المرتفعة التي تتصدّرها جرّة حجرية منحوتة بعناية، وهي زخرفة معمارية فريدة يُعتقد أنها استُخدمت رمزًا للحكمة أو الوفرة أو الطهارة، أو ربما كانت علامة تميّز القبر لصاحبه ذي المكانة الاجتماعية المرموقة. ويشير هذا العنصر الزخرفي إلى مهارة الأنباط في النحت وابتكار الرموز المرتبطة بالموت والخلود.
تُظهر تفاصيل القبر تأثر المجتمع النبطي بمحيطه الطبيعي والبيئي، إذ يميل سكان المنطقة إلى استخدام رموز مستوحاة من الطبيعة في الفن والعمارة. أما داخل القبر، فيوجد ركن مخصّص للدفن اتُّبع فيه الطقس النبطي القائم على وضع الجثمان ضمن حجيرات مخصّصة.
تشير بعض الدراسات الأثرية إلى وجود تمثال نصفي كان يتصدّر الواجهة في الماضي، مما يعزز الاعتقاد بأن صاحب المدفن كان شخصية ذات نفوذ أو دور اجتماعي وديني مهم. وتوجد أيضًا احتمالات بأن القبر استُخدم لدفن أفراد من أسرة واحدة على مدى سنوات، وهو ما يُعدّ نمطًا شائعًا في المدافن النبطية العائلية.
يتقدّم المدفن رواقٌ مسقوف ومنحوت في الصخر، يطلّ بواجهتهُ على قصر البنت. ويُظهر هذا التصميم تأثر الأنباط بالطرز المعمارية الهلنستية، التي اختلطت بالأسلوب النبطي المحلي لتنتج واجهة معمارية فريدة في شكلها وتفاصيلها.
تتكوّن الغرفة الداخلية من مساحة واسعة مقطوعة بدقة في الصخر، تبلغ أبعادها نحو 17 مترًا طولًا و12 مترًا عرضًا تقريبًا. تحتوي الغرفة على عدة مدافن منحوتة في الجدران، إضافة إلى حجيرات خاصة يُعتقد أنها استُخدمت لدفن أفراد من العائلة عبر أجيال متعاقبة. وتتميّز جدران الغرفة بألوان الحجر الرملي الطبقية التي تُضفي على المكان مظهرًا بصريًا طبيعيًا غنيًا بالأنماط والتموجات.
شهد قبر الجرّة تغيرات واضحة عبر الزمن؛ ففي حوالي القرن الخامس الميلادي، تحوّل الضريح إلى كنيسة بيزنطية، وهو أمر شائع في البتراء حيث أعيد استخدام العديد من المنشآت النبطية لأغراض دينية مسيحية. وقد عُثر داخل القبر على لوحة جدارية تُصوّر حدث ترسيم الضريح من قبل الأسقف جيسبون، مما يشير إلى أنّ المكان ظلّ ذا أهمية روحية حتى بعد زوال المملكة النبطية.
يُبرز قبر الجرّة براعة الأنباط في النحت الصخري، ويمثّل مثالًا على المزج بين الرموز الفنية والهوية الدينية والاجتماعية. كما يعكس هذا الموقع التطور العمراني في الفترة الممتدة بين 40 و75 ميلادي، وهي مرحلة اتسمت بازدهار سياسي وثقافي انعكس في جودة العمارة ونقوشها وتفاصيلها الدقيقة