السدّ النبطي في البترا
شكّل السدّ أحد أهم عناصر البنية التحتية في مدينة البترا القديمة، إذ ابتكر الأنباط منظومة مائية متقدمة لحماية مدينتهم من أخطار الفيضانات والسيول الموسمية التي تهدد السيق والمناطق المجاورة له. وقد واجه الأنباط هذا التحدي عبر تصميم هندسي بارع يقوم على تحويل مسار السيول وتجميع المياه والتحكم في تدفّقها بما يحول دون اندفاعها نحو ممرات المدينة ومبانيها.

يقع السدّ عند مدخل السيق، وهو المكان الأكثر عرضة لتجمّع المياه القادمة من الوديان العليا. وقد أدرك الأنباط منذ استقرارهم في البترا أن طبيعة النموذج المعماري للمدينة (المنحوت في الصخور وعلى جانبي السيق الضيق) تتطلب نظامًا فعالًا لحمايتها من السيول. وبناءً على ذلك، أنشأوا سدودًا وقنوات ومجارير حجرية وقنوات صخرية محفورة بدقة بالغة، فقد عمدوا على تحوّيل مياه الامطار والفيضانات بنحت نفق باتجاه وادي المظلم وبذلك تحولت تلك المياه وصبت في وادي المظلم، وبعيداً عن المدينة وشوارعها وبناياتها مما حافظ على استقرار السيق ومنع تدمير واجهات المدينة الأثري بعد بناء هذا السد.
اعتمد الأنباط في بناء السدّ على الحجارة الضخمة المصقولة، مستخدمين تقنية الجدران الجافة التي تسمح بمرور جزء يسير من المياه دون أن ينهار البناء، مما يجعله قادرًا على مقاومة الضغط العالي الناتج عن الفيضانات. كما دعموا نظام السدّ بنفق صخري يبلغ طوله نحو 88 مترًا، كان يُستخدم لتحويل المياه بعيدًا عن السيق، وهو يُعدّ واحدًا من أهم الابتكارات الهندسية في العالم القديم.
ومع مرور الزمن وتعرّض السدّ القديم للتآكل، قامت دائرة الآثار الأردنية بإعادة بناء السدّ الحديث عام 1964 فوق موقع السدّ النبطي الأصلي، مستخدمة تقنيات حديثة تحاكي في جوهرها الإبداع الهندسي القديم. وقد ساعد هذا السدّ الحديث في حماية السيق والزوار والمواقع الأثرية المحيطة به من أخطار السيول المتكررة خلال فصل الشتاء.
يعكس السدّ (بنسختيه القديمة والحديثة) مدى إدراك سكان البترا لأهمية المياه في حياتهم اليومية، سواء للحماية أو للزراعة أو للشرب. كما يشكل مثالًا حيًا على قدرة الأنباط على التكيّف مع البيئة القاسية وبناء بنية تحتية متقدمة تضمن استدامة مدينتهم، ليبقى هذا السدّ شاهدًا بارزًا على ذكاء حضارة ازدهرت في قلب الصحراء.
اليوم، يُعدّ السدّ محطة رئيسية للزوار المهتمين بفهم النظام المائي النبطي، ويُظهر بوضوح كيف شكّل التخطيط العمراني والهندسي أساسًا في جعل البترا مدينة عالمية متقدمة في زمنها. ويواصل الموقع أداء دوره في حماية السيق حتى يومنا هذا، مؤكّدًا استمرارية القيمة التاريخية والوظيفية لهذا الإنجاز الهندسي الفريد.