accessibility

المواقع الأثرية

الدير - 85 قبل الميلاد إلى 110 ميلادي

يُعدّ الدير واحدًا من أعظم المعالم النبطية في البترا، وهو من أكبر الواجهات المنحوتة في الجبال الوردية، حيث يبلغ ارتفاعه نحو 47 مترًا، ويتميّز بضخامته وبساطته المعمارية مقارنة بغيره من الواجهات الأكثر زخرفة. وقد نُحت الدير في واجهة جبل شاهق يقع في الجهة الغربية من المدينة، ويتطلّب الوصول إليه صعود مئات الدرجات المنحوتة في الصخر، مما جعله موقعًا فريدًا يجمع بين الجهد البدني وروعة الاكتشاف.

Thumbnail_Custom

ترجع أهمية الدير إلى دوره الديني والطقسي في العصور النبطية المتأخرة. وعلى الرغم من تسميته الشائعة بـ "الدير"، إلا أن هذا الاسم يعود إلى الفترة البيزنطية عندما استُخدم المبنى لاحقًا كدير للرهبان المسيحيين، وليس إلى فترة بنائه الأصلية في زمن الأنباط..

ويُعتقد أن الواجهة كانت مكانًا لإقامة الطقوس الدينية والاجتماعات المرتبطة بالعبادات النبطية، وربما كانت مرتبطة بتكريم أحد الملوك أو الآلهة المحلية. وقد عُثر بالقرب من المبنى على نقش نبطي يشير إلى الملك عبادة الأول، مما يدعم احتمال ارتباط الموقع بذكرى أحد حكام المملكة النبطية.

تتكون واجهة الدير من طابقين رئيسيين، يتميزان بالضخامة والفن المعماري بدلاً من الزخارف الكثيفة. وتنتشر على الواجهة مجموعة من المحاريب البسيطة التي كانت مُهيّأة لوضع تماثيل أو رموز دينية. أما المدخل الرئيسي، فيؤدي إلى قاعة داخلية واسعة ذات تصميم بسيط، تخلو من العناصر المنحوتة باستثناء مصطبتين طويلتين على الجانبين، ربما كانتا تُستخدمان للجلوس أو لوضع القرابين خلال الطقوس الدينية.

ويبدو أن الموقع أمام الواجهة كان مُسوّرًا في السابق بساحة كبيرة تُستخدم لتجمعات واسعة ضمن الاحتفالات أو المناسبات الدينية الكبرى. ومع مرور الزمن وتحوّل المنطقة خلال الفترة البيزنطية، استُخدم الدير كمكان للعبادة المسيحية، وهو ما يفسّر العثور على عدد من الرموز والعلامات التي تعود إلى تلك الفترة.

وإذا كان الوصول إلى الدير اليوم يتم عبر مسار سياحي يمر بسلسلة طويلة من الادراج الصخرية، فإن هذا الطريق لعب دورًا مهمًا أيضًا في التاريخ القديم، حيث يُعتقد أنه ساعد على عزل الموقع وجعله مكانًا مناسبًا للاجتماعات الدينية المغلقة وللطقوس التي تحتاج إلى الهدوء والخصوصية.

بحلول القرن الثاني الميلادي، وخلال حكم الملك النبطي رب أبِل الثاني، يبدو أن عمليات تطوير إضافية قد أُجريت على الموقع، مما يشير إلى أن الدير ظل يحتفظ بأهميته حتى الفترات المتقدمة من الحكم النبطي. ومع ذلك، فإن الاستخدام المسيحي للموقع خلال العصور اللاحقة هو ما منح "الدير" اسمه الحالي الذي بقي ملازمًا له حتى يومنا هذا.

اليوم يُعدّ الدير وجهة رئيسية لزوار البترا، حيث يقصد السائحون هذا الموقع المهيب للاستمتاع بمزيج من الطبيعة الجبلية الخلابة والعمارة النبطية المذهلة. ويقف الدير شاهدًا على عبقرية الأنباط في نحت الصخور وابتكار مبانٍ ضخمة تتجاوز حدود الزمان، ليظل واحدًا من أعظم الشواهد الأثرية التي تروي تاريخ مدينة البترا وحضارتها العريقة.

كيف تقيم محتوى الصفحة؟